إضاءات حول تاريخ وقضايا الزجل المغربي 2
كتبها نهاد بنعكيدا ، في 19 أكتوبر 2007 الساعة: 16:18 م
تابع 2 : إضاءات حول تاريخ وقضايا الزجل المغربي
من التأسيس إلى التحديث
الزجال والباحث ذ محمد الراشق
ولتعزيز فرضيته يقدم الد كتور عباس الجراري شواهد من أبيات زجلية للزجال الحاج اعمارة وهو متأخر في وفاة بوعمرو يقول في آخر قصيدة فاطمة (41)
يا راوي لبيات عنــــــــــي غني وصول لاتخشى من عديانــــي
كما أن هذا الزجال نفسه قد كتب قصيدة في رثاء بوعمرو والتي من أبياتها:
النبيل الفد النشــــــــــــاد سيد من غنـــــــى وشــــــــــــــــدا
وأتساءل عن مصير محاولا تنا الموسيقية والتي ضاعت وأضاعوها، فهل يعقل أن يمر حينا من الدهر على أمة لاتنجز فيه جزءا من موسيقاها والقاعدة تقول: أن الفن خلق مع الإنسان ، وخلق الإ نسان من الفن وسيلته في التعبير عن حالاته وإ حساساته (42) لكن الشواهد أكدت لنا ماعانه الفن والإبداع في فترات من تاريخ المغرب، تحت ذرائع مختلفة منها أن الدين يحرم الفنلقد سمعت من الباحث في التاريخ الأستاذ: مولود عشاق، فصولا من أطروحته عن مجتمع "بوغرواطة" (43)وعندما سأ لته عن موسيقاهم وإبداعهم، أجابني بأن مصادر المؤرخين لم تنقل لنا أي شيء عن هذه الجوانب الهامة من حياة المجتمع(44) وما وصلنا من تجارب غنائية كانت أزجال تنشد على ميازين الآلة وأنغامها،وفي المقابل فإن الزجل المغربي قدم لهذهالموسيقى نوعا من الإ بداع الجميل والمتمثل في "البرولة" والتي تعتبربالنسبة لهذه الفن الأصيل " كا لدريدكة" بالنسبة للقصيدة .وهي تستعمل بالخصوص في ميزان" القدام" وتقابل الأزجال التي كان أهل الأندلس يدخلونها في موسيقاهم ونحن نتحدث عن هذه المصطلحات الإ بداعية نشير أن الزجال المغربي القديم قد خص الزجل الغنائي بمصطلح هام جدا قد أطلق عليه لفظ "العشاقي" والتي يطلقونها على كل الأنواع الزجلية التي نسميها " الشعر الغنائي" ويقول المرحوم محمد الفاسي:… وكما أن لفظة "غنائي" لاتعني الشعر الذي يغنى به وإنما مايعبر عن إ حساسات باطنية وعواطف وانفعالات أمام مظاهر الطبيعة أو بسبب تأثر سار ومألم، فكذلك العشاقي عندهم لايعني فقط الشعر الذي يعبر عن عاطفة الحب وإنما كل ما ذكرناه آنفا مما يشمل التعبير بالشعر الغنائي..(45)
———————————————————————————
41- د عباس الجراري: المرجع السابق ،ص:36-37
42- صالح الشرقي: الإيقاعات والمقامات بدون دار النشر ،1994 ص:5
43- له كتاب حركة المتنبئين في تاريخ المغرب الأقصى دار الأحمدية بالبيضاء
44-أشار ابن خلدون في مقدمته إلى مايفيد تعرف المغاربة مبكرا علىأنواع موسيقيةصوتية ووترية ونقرية،وهو دليل على وجود ممارسة موسيقية مستقرة بالمغربابن خلدون: المقدمة،دار الكتب العلمية، بيروت صناعة الغناء،ص:335
45- محمد الفاسي : معلمة الملحون، القسم الأول من الجزءالأول،مطبوعات أكاديمية المملكةالمغربية ص:114
وتعتبر " السرابة" من بين الأشكال الزجلية الغنائية القديمة ، وهي إ بداع جدير بالإ هتمام لما تتضمنه من تركيبة فنية قائمة بذاتها تتكون من عدة أجزاء تنازلية ربما كانت بسيطة وتطورتعن أشكال غنائية قدتكون من نوع ماكتبه محمد بن علي بوعمرو إ ذهناك من عد كتا باته التي أبدعها بعد الحصار الذي ضربوه على قصائده ب:"السرارب" وهناك من يعتبر"السرابا" أغنيةقائمة بذاتها، ورغم الطابع الخاص الذي تتميزبه وشكلها الذي تقدم به حاليا، إلا أن معظم الأزجال المرتبطة بالغناء والإ يقاعات، يطلقون عليها بالمغرب" السرارب" جمع "سرابة" ويقولون لشيخ "لكلام" " سمعنا شي سرارب من اللي عطاك الله" ونجد في بعض" السرارب الحسناوية" أنها تخضع لنفس النظام الذي نجده في السرابة المقترنة إنشادا بفن الملحون،حيث تتكون من ثلا ثة أجزاء " استجابة للأداء المنغم:
1-الأشطار الأولى،أي المدخل
2-الناعورة،أ ي الموضوع
3-الردمة، أي الختام
ويتكون شكل السرابة من أدوار، وكل دوريتكون في الغالب من ثلاثةأشطار(46) ويقول محمد الفاسي: "… ونظامها له مميزات خاصة تجعلها بين القصيدة المبيتة والسوسية التي لاتعتبر عادة من الملحون وتدخل تحت الأغاني الشعبية.(47) وهي تمثل الزجل الغنائي بامتياز لأنها تتوفر على كل شروطه في الشكل والمضمون، فكلها أحاسيس وأشواق واغتراب وحنين يعبر عنها بكل صدق وعفوية، والسرابة شقيقة القصيدة بدون شك من حيث مجموعة من القواسم المشتركة بينهما، لكنها تنفرد عنهافي التالي:كونها قصيرة ولاحربة لها ولايذكر فيها الشاعرإ سمه.وطابعها الإيقاعي والموسيقي بوأها مكانة هامة بين الأنواع الزجلية الغنائية، حيث قالوا في حقها:" من لايوزن بسرارب ميزانو يبقى عايب" والسرابة نص صالح حتى للغناء العصري، وقد أدى الفنان المرحوم المعطي بنقاسم" سرابة الربيع" ببراعة ونجاح". وأقدم هذا النمودج الصغير من إحدى السرابات للتأمل:
علاش يامحبوب خاطري تجفيني يالجافيني، وعلا شذا الجفــــــــــا
حبيتك من خاطري،ولا ردتينــي وكتمنيني ياشارد لعفـــــــــــــــــا
خالفت فالوعد باش وعدتنـــــــي ولا وصلت رسمي،قاسيت ماكفى
قالت ناس الشعر والقوافــــــــي
زين بلا تيه صورتو تعـــــــداف
والخير صاحبو يعراف…….
————————————————————————-
46- ذ عبد الله شقرون:نظرات في شعر الملحون،نشورات الملتقى، ص:22
47- ذ محمد الفاسي: مرجع سابق ق1 من ج1 ، ص: 148
فإن أمام الأغنية المغربية أطباقا من أنواع الزجل المتنوعة في مذاقها وطريقة تحضيرهاإ ن صح هذا التعبير، والقصيدة الزجلية قديمها وحديثها تطرح نفسها بمميزات وخصائصوقدرة فائقة على تطويع الألحان وتحبيبها.وأعتبر انه من ضمن أهم مميزات الزجل في الأغنيةالمغربية، المساهمة في منح هذه الأخيرة صفة هامة هي صفة الخصوصية والإ ستقلا لية نسبيا عن أجواء"الشرق الفني"هذ الأجواء التي ظلت تنوب عن مشاعر المغاربة وأذواقهم الفنية لفترات طويلة.
والزجل مانح هذه الخصوصية للأغنية هونفسه يتمتع بهذا الصفة قبل اتصاله الفني بها.وانطلاقا من روح هذا التميزلفت انتباه المشارقةإليه إبداعا ونقدا ونقلت تجارب منه إلى بيئات مختلفة وأصبح مادة اساسية في الأغنية عندهم وتناولته الأقلام النقدية القديمة والحديثة وهوما لم يحصل عندنا مع الأسف لولا المبادرات المعروفة وهي قليلة ولكنها فتحت الباب للمبادرات والإجتهادات ورد الإ عتبار للزجل المغربي والثقافة الشعبية عموما.
هذه الخصوصية أيضا تواجه بما يتم افترائه على زجلنا من صعوبة فهمه واستعاب لهجتهإ لي غيرها من الإدعاءات الملتبسة، وكأنه محكوم علينا أن نفهم العالم، والعالم لا يفهمناونبقى في نطاق إخواننا المشارفة الذين يضربون حصارا على أغنيتنا بمادتها الزجليةولو كنا نعتبر.فحتى أغنيتنا ذات الطابع المشرقي شعرا وأنغاما مرفوضة هنالك، والغريب زجلنا الغير" المفهوم " يروج عندهم من خلال مجموعة من مغنيهم وفرقهم، فزجل " شويخ من أرض مكناس" وأخريات من التراث المغربي الخالد وتقليد ناس الغيوان وجيل جيلا لة والمشاهب، بل تأسيس فرق يتشبهون بتجاربها، وإعجاب الفنانين العرب بالأغنية المغربية من خلال إعادة غناءها كما فعلت مثلا المطربة صباح مع أغنية" ما أنا إلا بشر" للمبدعين الطيب العلج وعبد الوهاب الدكالي.وهذه كلها حركة تفنذ إ دعاء عدم الفهم وتبرز إ مكانية التوا صل ونحن لا ندعي أن لهجتنا بمحليتها تفهم بنسبة مائة بالمائة، وهذا وصف ينطبق على كل اللغات واللهجات، فاللغة العربية التي هي القاسم المشترك بيننا تشكو من هذا الذي ذكرناه.
وبعد هذه الأقواس العديدة التي نضطرإلى فتحها بعد الفينة والأخرى قصد المزيد من التوضيح أو استجلاء أمر مفيد. نعود إ لي أهمية الزجل في الأغنية وهو مجال يحلوالتحدث فيه، والحديث فيه طويل لأنه جديد، ولكل جديد شجونه
وأحلامه. ونقترح هذه المرة بعض التجارب التي تظهر فيها أهمية الزجل في الغناء أو أشكال الغناء بعمق وبمقدرة فائقة على خلق تزاوج فني بين فضاء النص الزجلي وفضاءات الإ يقاعات والأنغام المستوحاة من البيئة المغربية الفنية الخالصة، وننطلق من التجربة الرائدة والغنية لفنان أصيل وعاشق لفنه حتى النخاع، إنه السي الحسين السلاوي، هذا الرجل العصامي الذي استطاع أن يؤسس لونا غنائيا جديدا يعتمد على النص الزجلي الذي كان يختاره بعناية وذوق، إما من معين التراث أو ما كان يكتب آنذاك من نصوص زجلية أصابت أهدافها بفنية متميزة، من خلال نصوص أبكت وغنت وأرقصت وأرخت لفترات من تاريخنامع رصدها لظواهراجتماعية دالة . ولقد لعب الحسين السلاوي دورا أساسيا في تنشيط المشهد الفني المغربي في ظروف صعبة ومنعدمةالإمكانيات والوسائل المتاحة اليوم، ورغم ذلك انتشرت أعماله بل أنه أول فنان مغربي يسجل أسطوانة خارج المغرب "بفرنسا".وأنت تتأمل نصوصه الزجلية الغنائيةتحس بإخلاص هذا الرجل وهو ينظر إلى إبداع أمته نظرت المقدر لهمومها وانشغالاتها الآنية والمستقبلية، لأ ن الفن يحمل بين ثناياه رؤ يته الثاقبة للمستقبل، وبذلك يظهرأن الفنانالحسين السلاوي كان حريصا على اختيارأعماله الفنية، حتى وصلنا من الأزجال جميلهاومن الألحان أعذبها، ومن أصناف الإيقاعات ماعجز عن استثماره غيره ممن اكتفوا بالسهل والموجود. وقد فعل الأستاذالباحث حسن بحراوي جميلا، حينما أرخ لمسيرة هذا الرجل الفذ سواء عبر الصحافة ، أو في كتاب مرجعي بعد ذلك.(48) فيالها من صورة رائعة عندما يطلب الفنان الحسين السلاوي من الموجة أن تغني للبحرفلعلها تكون الموجة السابعة في موروثنا الشعبي لنفك بها" ثقاف "أغنيتنا المغربية مع الإستثناءات بكل تأكيد وتنويه.وإذاكانت تجربة الحسين السلاوي قد حققت ذلك النجاح الباهر وذلك الإ نتشار الواسع فذلك راجع لمجموعة عوامل ذكرنا بعضها ويبقى أهمها في نظرنا هو اعتماده ا لنص الزجلي كمادة أساسية لأغانيه، وهذا أمر طبيعي وواقعي، كما يفعل فنان مصري مع شعره العاميوكما يفعل خليجي مع شعره النبطي أوا للهجي ،وقد تطرح أمامنا قضية من قبيل هل كل مايغنى باللسان الدارج هو زجل؟ وما هي مقاييسنا لتحديد ذلك وخصوصا إذا كان الأمر يتعلق بزمن
———————————————————————–
48- نشر الأستاذ حسن بحراوي حلقات عن الفنان الشعبي الحسين السلاوي على صفحات جريدة الصباح المغربية،كما جمع ذلك في كتاب. ؟ …….
مضى لم تتضح فيه ملامح كتابة نصوص زجلية مختلفة عن أزجال الملحون والعيطة وغيرهما،والمخرج من مثل هذه التساؤلات هو اعتماد المثل القائل:" كل ما جاء به المليح فهو مليح". أما الحسين السلاوي فيكفي أن تذكر أنه عاش بمدينة سلا وهي حاضرة من حواضر " زجل الملحون" ،وقصدتها عبر مراحل تاريخها وفود أندلسية ومن جل مناطق المغرب، وبطبيعة الحال أن هذه الوفود التي اختارت الإقامة قرب ضفاف ابي رقراق " والسانيات الجميلة" قد جلبت معها خزائن تراثها وأجود ألحانها…كنا بصدد تعداد كل التجارب الناجحة والتي اتخذت الزجل محورأعمالها الفنية، لذكرناها كلها وبحثناعن المغمورمنها عبرمناطق بلادناويحتاج ذلك إلى تمحيص من نوع آخر، لكن نعد أننا سنعود إليه كتكملة لهذا الموضوع الغني.وكان حريا بنا أيضا أن نقف عند تجربة رائدة أخرى استوعبت منذ البداية أهمية اعتمادها على المتن الزجلي كمكون أساسي لمشروعها الفني الفريد، إ نها مجموعة ناس الغيوان ، كيف لا، ومنهم الزجالون والفنانون الباحثون في علوم الغناء وضروب الأنغام ومصادر الإيقاعات لقد شكل النص الزجلي عند الغيوان عصب تجربتهم الغنية، فبه دخلوا بيوت كل المغاربة فوجدوا الترحاب والمحبة، وبه قالوا كلمتهم وكأنها من ألواح موسى أو منبعثة من مزمار داوود. نص زجلي وزنوه بميزان المحبة والإخلاص، ورصعوه بموسيقاهم المتدفقة عشقا أبديالاينضب .لقد منح النص الزجلي لناس الغيوان مسحة خاصة وسرا معينا، وهم منحوه رهبة المنتشي ورعشة المتواجد وجذبة التائه، كلامهم زجل ولحنهم عسل، ومفتاح سرهم ماوصل، لقد دفن مع المرحومين بوجميع والعربي باطما والخير في من تبقى كما يقول المغاربة.ونفس الكلام هوسائر على مجموعات مماثلة اعتمدت النص الزجلي وأبدعت فيه وهو إمااستوحوه من كلام الذهات أومن روائع زجاليهم، إذ من خصائص هذه الفرق مجتمعة وجود زجالين مبدعين داخلها، وإذا أضفنا إليهم المتخصص في الإيقاعات والعازف الماهر والباحث في التراث،ومهندس الفرجة، نجد أنفسناأمام أكبر ورشة خاصة بإنتاج اعمال ضخمة وخالدة، وهوكذلك يلمسه المتلقي المغربي والعربي بل والعالمي، فتحية تقدير لجيل لجيل جيلالة والمشاهب ولرفاق و السهام و مسناوة ، وهي مجموعات قد لعبت دورا هاما في حماية الذوق الفني لدى شبابنا، وعلمتهم ما معنى الخصوصية وما معنى الفن الصادق كما حببت لشبابنا أنواعا من الأزجال المرفوقة بألحان وإيقاعات مغربية صميمة اطربت كل المغاربة فتجاوبوا معها خير تجاوب لن ينسى…
كيف يتعامل الملحن المغربي مع النص الزجلي؟:
يفرض إيقاع معين طبيعة نص زجلي ، خصوصا على الزجال الشعبي الذي يتعامل مباشرة مع هذه الإ يقاعات رفقة جماعته الإ نشادية أو الغنائية، في الغالب يكون "شيخ لكلام" مسكونا ومهووسا بالإيقاع الذي تشربه وتواجد معه، لذلك تجد كلامه يخرج متكاملا مع اللحن على بساطته، فيحقق هدف "الإمتاع والمؤانسة" وفي هذا المعنى يقولون:"لميازن فالذات خلوق"ويشير العلامة ابن خلدون في مقدمته إلى هذا النوع من الموسيقية المتجدرة في الوجدان بقوله:" ومن هذا التناسب ما يكون بسيطا،ويكون الكثيرمن الناس مطبوعين عليه،لايحتاجون فيه إلى تعليم ولاصناعة، كما نجد المطبوعين على الموازين الشعرية وتوقيع الرقص وأمثال ذلك….(49)
ورغم أن النص الزجلي من الناحية الموسيقية، يظل حبيس نمط واحد مع تغيير بسيط في حركات الإيقاعات من مرحلةإلىأخرى،لكن عشق أي نوع من هذه الأنواع الزجلية الإيقاعية، يذوب لحظة ملل متسربة من دائرة التكرار، فحضور المشهد الفرجوي يقضي نهائيا على ما ذكرناه،ولذلك كانت الجماعة التيأسست نفسها لخدمة فن قبيلتها ذكية عندما مزجت مابين الشعر والإنشادوالرقص.أما" زجل الملحون الغنائي" فقد ارتبط موسيقيا كما تقول المصادر،بموسيقى الآلة. حيث يقوم إ نشاده على نوبات الموسيقى الأندلسية وميازينها(50) ومعظم القصائد تؤدى على ميزان" الدرج"، هذا الميزان لايوجد في غير الموسيقى المغربية(51) أما التلحين الحديث العلمي، فهو يتعامل مع النص برؤية أخرى بطبيعة الحال، وهي في رأيي تشبه نفس الرؤية التي يمنحها مخرج سينمائي أو مسرحي للنصوص التي يتعامل معهاإلإ أن مجال الألحان يفرض تعاملا خاصامع أنواع من النصوص،فطبيعة الشعرالمعرب ليست هي طبيعة الموشح، وهي أيضاليست طبيعةالقصيدة الزجلية بكل تأكيد.
——————————————————————————-
49- عبد الرحمان بن خلدون: المقدمة ، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ص:337
50- دعباس الجراري: مرجع سابق،ص:21
51- المرجع نفسه: ص:24
وعلى العموم" فاللحن هو شيء آخرزائد في معنى الشعروبهائه، والأحسن فيه أن يكونمطابقا لماركب عليه مقويا له، فإن كثيرا من الألحان قدتضع كثيرامن الأشعار وتنقص من بهاءها، وقد تحسن كثيرا منها وتزيد في بهائه وتغطي عيوبه …."(52) أو كما قالالفارابي في مؤلف :" كمال أدب الغناء(53) أن الألحان بالجملة صنفان:صنف ألفليلحق الحواس منه لذة من غيرأن يوقع في النفس شيئا آخر،ومنها ما الف ليفيدالنفس مع اللذة شيئا آخرمن تخيلات وانفعالات،ويكون بها محاكيات أمور أخرى . والصنف الأول أقل غناء، والثاني هوالنافع منهما، وهو الألحان الكاملة"(54) وأستحضر هنا أيضا تجارب مجموعة من الشباب الفنانين ويا ليت لو أتيحت لهم الفرصة لقالواكلمتهم الفنية خصوصا وأن لهم تكوين موسيقى جيد،ويتعاملون مع النصوص الزجلية بما ذكرناه سابقاوأكثر،وقد عبر لي بعض ممن إلتقيتهم في مناسبات متنوعة، عن عشقهم الخاص للزجل وعبروا لي عن إحساسهم بنشوة خاصة وهم يتعمالون موسيقيا مع هذا النوع الشعري، وأنهم لا يدركون روعة النغم إلا معه،هذا التعبير إذا ربطناه بماهية النغم (55) نجده أكثر حميمية،وبعض الملحنين المغاربة قد أبانوا عن قدرة فائقة في إبداع أعمال تنتمي لدائرة عمالقة الفن في الوطن العربي، وقد نالوا عن ذ لك تنويه واعتراف كبار الفنانين المرموقين لأنهم مزجوا بين صناعة الألحان وإعمال مفهوم الإبداع في ذلك بمافيه من تخييل وتصوير وقراءة فنية للنص المتعامل معه ونوعيته اللغوية والشكلية.
ولقد سبق وأن ذكرنا على أن الزجل والموشح قد عملا على تغيير نظرة الملحنين والتي كانت تتعامل إ لي وقت قريب مع شكل واحد يتمثل في القصيدة المعربة،وقد شمل مجال إعادة ترتيب النظرية الموسيقية وتطعيمها كل ما يوافق روح هذا الإبداع وما حمله من جديد الخصوصية ورزمونة إيقاعات جديدة، وقد أتاح ذلك تقديم أغنية بتلوينات مختلفة لأنه تم التعامل مع نصوص التجربة الزجلية المستحدثة بعمق وتبصر مما عمل على انتشارها انتشارا واسعاوبتذوق هادف . وفي بلادنا كم من أعمال حققت الخلود بفضل ملحنين أكفاء،عرفوا كيف تنتقى الأعمال الجيدة ونظروا إليها من باب أسلوبها ومعينها ولغتها وخطابها وما تتضمنه من موسيقى داخلية ومن إيقاعات ملازمة، ومن صور متواترة.وفي الغالب فإن النص الزجلي يضمن للملحن الحاذق فرصة التنويع الخارق، باستثماركل إمكانيات النص الممكنة، قصد ترصيع كل الفضاء اللحني.
———————————————————————————-
52- الحسين بن علي الكاتب: كمال ادب الغناء، ص: 27
53 – اهتم العلماء العرب بالموسيقى كما اهتموا بالشعر وقد خلفوا للأجيال العديد من المؤلفات الهامة والتي تناولت مواضيع هامة من قبيل:معنى الموسيقى- علم الموسيقى النظري والتطبيقي- الموسيقى وحديث النفس – فعل النغم الصحيح في النفس- ماهية النغمالمطلق- فعل الموسيقى- صناعة الغناء- الحذق في صناعة الغناء-سبب اللذة الناشئة عن الغناء- الطرب – معاني الألحان- خواص الألحان وأصنافها- وأحوال النغم
54- المرجع نفسه، ص: 28
55- المرجع نفسه:ص: 775 ، مختار من كتاب:" كمال أدب الغناء" ص: 35 – 36
فهذه النوعية من الملحنين المغاربة هي التي نقصدها ونطمئن إلى اشتغالها وقل اجتهاداتها لأننالابدوأن نعترف من كون الملحنين ومعظمهم من خريجي المعاهد الموسيقية، قد تكونوا تكوينا موسيقيا شرقيا وهذا أمر طبيعي، فتاريخ الإهتمام الأكاديمي الموسيقي عند المشارقة خصوصابمصر ولبنان طويل وفاعل،وبالمقابل فإنه لاتوجد عندنا معاهد عليا للدراسات الموسيقية تتيحإمكانية التبحر في هذا العلم الواسع،والتي ستتيح أيضا مجالات واسعة للباحثين من أجل متابعةكل التطورات الموسيقية واستثمارها بطرق علمية،ومدالممارسين الموسيقيين بنظريات في هذا الفن،ونتمنى أن يتم الوعي بأهمية ماطرحناه من اقتراحات هي أيضا من صميم متمنيات مجموعة من الحالمين بمستقبل الفن في بلادنا.هذا العائق التكويني جابهه جهابذة التلحين ببلادنا ببذل الجهد المضاعف بالبحث والتنقيب عن الجديد، وبذلك خلقوا ديناميكية غنائية أبهرت الجميع، لقد استمعت إلى إحدى الإستجوابات،التي سجلتها الإذاعة الجهوية بفاس مع الأستاذ المبدع والملحن المقتدر المرحوم عبد الرحيم السقاط والتي بقيت عالقة في ذهني، وكيف لا وهي نابعة من فنان أصيل ومتمكن .حيث قال رحمه الله :أنه يتعامل مع النص الزجلي بعشق وبحذرلأنه من إبداع كل المغاربة،وقد تفنن في وصف الزجل حتى خلته ناقدا باحثا في هذا المجال،واعتبر النص الزجلي كنزا فنيا يجب استقراءه ومناوشته قصد استخراج مافيه من درر لغوية وإيقاعية ولنيتم ذلك إلا بتفكيك النصوص وإعادة تركيبها لتنسجم مع التركيبة اللحنية من أنغام وإيقاعات.
هذه الأفكارالنيرة ترجمها الفنان المرحوم عبدالرحيم السقاط إلى أفعال موسيقية رائعة جدا لازلنا نستمتع بها ولازالت كذلك وستظل شامخة إلى الأبد. وكذلك نجد تصورات ومنجزات مجموعة أخرى من الملحنين الجيدين من أمثال: عبد القادر الراشدي- محمد بن عبد السلام أحمد العلوي محمد بلخياط- عبدالرحمن الكردودي عبد السلام عامر عبد الوهاب الدكالي عز الدين المنتصرومجموعة من الشباب الواعد ننتظرمنه كل خير ونتمنى لتجربتهم كل توفيق ونجاح.وأمام احتقان الوضع الغنائي الحالي ببلادنا يضع المتتبعون لهذا الشأن العديد من التساؤلاتالمشروعة، وهي كثيرة ومتشعبة لأ نها تمس السلوك الفني للمغاربة، ومن ضمن الخلاصاتالمستنتجة نجد أزمة " النص الغنائي" و ليسنا نعني غياب هذا النص لنفسه أولعدم قدرة مبدعيه على تشكيل نصوص خلاقة ومسايرة،وإنما بما فرضه على أذواقنا "قطاع رؤوس الفن الأصيل"وهم يبنون قناعتهم على ذريعةخاطئة كون "الجمهور عايز كذا".فهذا مبرر فقط للربح الجشع على حساب أذواق الناس التي تنتهك باستمرار،والحقيقة الأخرى نكتشفهافي بعض المطربين لايدركون أهمية النص، فيقبلون على أي تفاهة يسمونها إبداعا ويوصلونها ببراثينهاإلى الناس.
لقد طرحت مجموعة من الأسئلة المرتجلة على بعض الأصدقاء الملحنين من قبيل :كيف يوفقون بين نصين معرب وزجلي؟ وهل يتعاملون معهما موسيقيا بنفس الرؤية والتصور؟ وماهي نوعية الخصوصية التي يحسون بها وهم يلامسون نصا زجليا ينتمي فعليا إلى بيئتهم؟.
هي جزء من أسئلة كما يقال عريضة وتحتاج حصيلة الإجابات عليها إلى تمحيص وتروي.ويبقىأنه من أهم العناصر التي تخص" عودة الروح" إلى الجسم الغنائي المغربي التأكيد على النص الشعري الهادف والجميل ، واللحن القادر على تبليغ سحر هذا الجمال، والمغني المدركلرسالته المباشرة مع أنواع المتلقين، وزد على ذلك التشجيعات والإحتضان والرعاية والنقد.ولنا أن نعطي نموذجا حيا يوضح أسباب نجاح الأغنية وترويجها حينما تستثمر الخصوصيات المحلية أحسن استثمار، بل الإيمان بجدواها وفاعليتهاوبنتائجها، ولن يكون هذا الذي نعني إلا الأغنية الخليجية الناجحة بكل المقاييس، بل أترث حتى في البلدان التي لها تقاليد موسيقية عريقة ومتطورة كمصرولبنان مثلا، وسبب نجاحها بالدرجة الأولى هو اعتمادها من حيث مكوناتهاالأساسية على تراثها الإبداعي النبطي أو الشعر المحكي اللهجة العامية، اللذان يجدان الإهتمام البالغ المشترك بين جميع الفاعلين الأساسيين المعنيين بمجال الأغنية الخليجية…
النبطي واللهجي يحضران في الأغنية بهذه المنطقة، بقديمه وحديثه وحسب اطلاعي المتواضع فإن شاعرا النصين النبطي والعامي يحضيان بوضعهما الإعتباري المحترم ويتم الإقبال على نصوصهما من طرف الملحنيين والشركات المهتمة بالإنتاج والتوزيع،هذا الإهتمام بالمثنيين في الأغنية، وازتهما اجتهادات موفقة في مايخص توظيف إيقاعات وأنغام خليجية خالصة موزعة بطريقة علمية، وبأداء يحترم شروط الإنشاد والغناء، فهذه من بين أسباب نجاح الأغنية الخليجية والذي أعطاها هذا الإنتشار القوي والإيجابي، ويبقى الرابح الأكبرهو السمعة الفنية للبلاد.ومن أراد أن يستشهد بنجاح الأغنية فعليه أولا أن يعرف السب" ليبطل العجب" والعجب كل العجب لأولئك الذين يروجون لفكرة خاطئة يعتقدون من خلاله أن النص الزجلي المغربي لا يفي بالمطلوب التواصلي. وبالنسبة للإيقاعات يعتمدون على الغربي منها تحت طائلة الإبتعاد عن روتينية الإيقاعات الموجودة والمستهلكة، ولو فكروا مليا في نجاح من سبقوهم أو ممن يعيشون حولهم لاكتشفوا السر وهوبسيط جدا، البحث عن لائحة جديدة من الإيقاعات، والتي لا يصل إ ليها إلا المجتهدون المكدون والمؤمنون بالرسالة الخالدة للفن العريق.
نمادج حية :
هي بعض النماذج نقدمها لتعزيز ماذهبنا إليه من آراء تخص أسباب نجاح من نجحوا في الأغنيةالمغربية، فأصبحت أعمالهم في سيرة الخالدين، وأنغاهم حاضرة في كل لسان، ولن ندعي أننا نستطيع أن نقدم كل نموذج على حدى ، أو الإحاطة بكل التجارب المنتمية للغناء العصري ببلادنا، فهذا يحتاج إلى مجهود كبير ويكون في أصله جماعي ومتنوع.ولكن نقدم ما استطعنا إليه سبيلا في انتظار عمل أكبر بحول الله.فعلى مستوى استثمار الإ يقاعات المغربية الأصيلة وهي كثيرة ومتنوعة وجميلة وكلها لها علاقة
بالمتن الزجلي، نذكر فقط بتجارب عبد الوهاب الدكالي- محمد البوعناني- ومحمدبلخياط مع إ يقاع الهيت في" كان ياماكان" و"نجمة" "والغايب حجتومعاه"، والتعامل الذكي للفنانين عبد القادر الراشدي و عبد الرحمن الكردودي مع أنواع العيطة منها: أن المرحوم عبد القادرالراشدي وظف الإيقاع المرساوي في مقدمة أغنية : "أمري لله" التي تغنيها الفنانة المحبوبة نعيمة سميح، أما الفنان الكردودي فقد وظف العيطة في أغنية" ماا نت جاري"التي تغنيهاالفنانة المقتدرة بهيجةإدريس.
وهناك من الملحنين من فطن إلى استثمار سلم موسيقى يكاد يكون مغربيا لولا مشاركة السودان لنا فيه،إن لم يكن هناك موطنه الأصلي، إنه" السلم الخماسي" الموجود في" الموسيقى السوسية"و" الكناوية"، واستتمره حميدالزاهرفي أغنية" لكناوي" وغيرها ومجموعة ناس الغيوان في أغنية " غيرخذوني" ومحمد البوعناني في أغنية "غيرطلقوني". كما أن الملحن الفذ عبد القادر وهبي قد ذهب بعيدا في أغنية:" في قلبي جرح قديم" التي أداها الفنان المتميز عبد الهادي بلخياط، حيث جعل لهذه الأغنية مقدمة هي عبارة عن"مزوكية" مغربية أصيلة وهي نوع من الزجل كما سبقت الإشارة إلى ذلك،بل استطاع الفنان أن يقدما صيغة موال مغربي صميم حري أن يحتدى به وصوت بلخياط يصدح في عذوبة"النار كدات وزادالهيبها ياطافي النار" إ نه توظيف رائع استطاع أن يستلهم روح نص زجلي تراثي لكنه يصلح لكل زمان لأنه حاضر فينا.
وإن كان موضوعنا هوأهمية الزجل في الأغنية ، إلا أن هذه الإشارات التي قدمناها، تبقى من صميم الموضوع ولاتخرج عنه، على اعتبارالمأثرات التبادلية بين النوعين النصي والموسيقي وقد سيق وأوضحنا في أسطر سابقة التأثيرالذي يمكن أن يمارسه النص على اللحن والعكس صحيح، ومثلنا لذلك بالتغيير الذي أحدثه الموسيقار زرياب في بعض تطور أجزاء النظرية الموسيقيةبعد دخول الزجل والموشح عالم الغناء،كما أنه من بين عوامل تطور" زجل الملحون" هوالتأثير الموسيقي الذي أحد تثه فيه موسيقى الآلة(56) والتغييرات التي عرفتها هذه الموسيقى بعد تبنيها للنوع الزجلي المسمى ب: " البرولة"بعدأن كانت تتعامل مع الموشح فقط.…
إنجازات الغنائية التقليدية في الزجل:
لقد سلكت القصيدة الزجلية التقليدية نفس النهج الذي ابتدأت به قصيدة الشعر المعرب القديمة،خصوصا في الجانب الشكلي المتعلق بهندسة الفضاء وتشكيله.. من ذلك اتخاذها لنظام البيت في القصيدة والمكون من العجز والصدر، والذي أطلقوا عليه بعد نزوعهم إلى الاستقلالية المطلقة عن " القصيدة النموذج" " لفراش وْلغطا"، لكنهم قبل ذلك ساروا وفق نموذج البيت لمدة طويلة، وقبل ذلك لابد أن نشير على أن اختيار النهج الغنائي لقصيدة الزجل، لم يأت صدفة ، ولكنه جاء وفق منظورمُؤسس على رؤية نقدية لماسبق ،ووفق مشروع قصيدة غنائية مرسومة الشكل والأهداف والتصورات..
ويعتبر الزجال عبد الله بن حساين (57) من أبرز مؤسسي قصيدة الزجل الغنائي، حيث هو الذي قدم لما يشبه المقدمة النظرية لمشروعه ، معلنا عن نهاية سيطرت قصيدة " السرادة" أو التي تنبني على قصص وحكايات " أشركان حتى كان " بطبيعة الحال هذا الملمح التنظيري لم يأت به الزجال في مقالة .. ولكنه موجود في قصيدة هي الوحيدة التي تبقت من أعماله الكثيرة مع الأسف. وليس هو الزجال الوحيد الذي يقدم بعض إرهاصاته النظرية ضمن عمل إبداعي، حيث نجد الزجال إدريس المريني (58) قد أبدع نصا زجليا يطرح فيه تبرمه من قانون القصيد الذي يفرض نوعا من القيود؟ وهو حدث سنعود إليه في قسم آخر من هذه الراسة..
————————————————————————————
56- عباس الجراري: النغم المطرب بين الأندلس والمغرب، منشورات الجراري22- مطبعة
الأمنية الرباط فبراير 2002، ص: 48
57- زجال من تا فيلالت أشر على انطلاقة القصيدة الزجلية في مرحلتها الجديدة..
58- زجال من مدينة مراكش مجدد سبق عصره
يقول الزجال عبد الله بن حساين:
نبــْدا بـسم الله انـْظامي ياللي بْغــا لـوْزان
لوزانْ خير لي أنيا من قول كان حتى كان
ربي اللي الهمْني نمدح جد لشرافْ يا لخوانْ
بالشعر السليس الفايزْ هو يكون لي عــوانْ ..
- الزجال يوجه خطابه لمن أراد الشعر القائم على الأوزان
- هذا الشعر القائم على الأوزان، أفضل عنده من النوع الزجلي الذي كان في وقته والقائم على القصة والحكاية وما شابه ذلك، ومن المعلوم أن الزجال ابن حساين كان معاصرلرائد هذا النوع الأخير مولاي الشاد (59)
- وجاء في تعريفه للشعر على إنه إلهام allusion، وهذا مفهوم موجود وقديم من عهد اليونان، حيث جاء في اعتقادهم أن الشعر إلهام من العالم الأعلى إلى العالم الأدنى، والإنسان ليس إلا وسيطا يتلقى " الوحي" ويبلغه إلى الناس كما تلقاه بدون زيادة ولا نقصان.. وعند افلاطون أن الشعر الممتاز إلهام من الآلهة..أما عند قدماء الجاهلية فالشعر إلهام من الشياطين، يقول الجاحظ (60) " وإنهم يزعمون أن مع كل فحل من الشعراء شيطانا يقول ذلك الحل على لسانه الشعر.." ويسير الشاعر الأعشى في نفس النهج حين يقول:
حباني أخي الجني نفسي فداؤه بأفيح جياش العشيات مرحم (61)
————————————————————————–
59- زجال من تافيلالت عاش في أوائل القرن التاسع الهجري، وهو من أطلق على الزجل إسم " الموهوب" أي النابع من الموهبة وفي هذا الشأن يقول: " من لايحفظْ موهوبْ يبقى عقلو مقلوب "
60- الجاحظ: الحيوان، شرح وتحقيق يحيى الشامي- دار المكتبة الهلال الطبعة 3 1997-ص:432
61- المرجع نفسه، ص: 432
ونجد أيضا بعض الروايات في نفس الموضوع موجودة في تاريخ الزجل المغربي التقليدي، من ابرزها قصة الزجال الكبير الجيلالي امتيرد (62) مع الضفدعة المحسوبة على " الجن".فقد كان الزجال يتردد على مكان موحش يتأمل فيه به ماء وأنواع من النبات البري، وفي إحدى المرات دعته ضفدعة إلى حضور عرس فلبى الطلب فوجد نفسه في مكان غريب، فطُلب منه أن يغني أزجاله ففعل واطرب.. فكان جزاءه عن ذلك،أنه صار يأتي بالمعجزات من القول المبهر بإلهام من الجنة، هذه الأخيرة منحته أيضا آلة إيقاعية اخترعتها قالوا هي " التعريجة".. وبذلك فإن الجن لم يكتفوا بمنحه إلهام الشعر، بل تعدوه إلى منح إلهام الإيقاع، والمساهمة في تطوير قصيدة الزجل الغناء في عصر الزجال الذي كان يعيش في عهد ازدهار الزجل المغربي وباقي الفنون المختلفة..
- الزجال بن احساين في أبياته القليلة تحدث عن العديد من القضايا والتي منها أنه كان يؤمن بالشعرالذي يُفهم من طرف الملتلقي وسماه " الشعر السلس" ونفس التسمية كانت معروفة لدى شعراء الجاهلية، حيث كان يتداول بينهم هذا النوع من الشعر وكان من أبرز رواده شاعر المعلقات، ويعرف على أنه شعر بسيط بلا أوزان، وهذا لاينقص من قيمة امرىء القيس حيث يمكن أن نُدخله في ما يعرف بالسهل الممتنع.. ولازالت فئة قليلة تكتب الشعر السلس بصوت خافت…
- ثم أن الزجال كان يُدرك أيضا صعوبة مسالك الشعر وتشعباتها، وتأثيرها على الصحة البدنية والنفسية، وما قد تجره على الشاعر في بعض الأحيان من نقم وأحقاد.. وفي نفس الوقت يقدر مكانة الشعر والذى ليس بمتناول جميع الناس، كما أنه صعب المنال والوصول بمعنى أن تُصبح شاعرا بالفعل، وهو ما عبر عنه الحطيئة (63) بابياته المشهورة:
الشعرصعب وطويل سلمه إذا ارتقى فيه الذي لايعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه
———————————————————————————
62- زجال مراكشي كبير أصله من تافيلالت،وسنقدم حياته بتفصيل عند تقديم إحدى قصائده
63- هو جرول بن أوس من بني قطيعة بن عبس، يكنى أبا مليكة ولقب بالحطيئة لقصره وقربه من الأرض وهو جا هلي إسلامي، وهجاء غريب الأطوار حيث هجا حتى أمه وأباه ونفسه…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 11th, 2008 at 11 مارس 2008 9:28 م
momkin chi m3liumat ktar mn hadchi ok
hit ana bari nw