إذا كان لكل أمة تراث تعتز به وترجع إليه ، فإن تراث أمتنا العربية عميق الجذور ، فهو يرتبط في منبعه بالأصالة وفي امتداده بالرواية ، وهو بذلك من أهم مصادر ثقافتنا .
ويشكل المد الثقافي عندنا أهمية بارزة في الهوّية العربية بحكم أنها تستمد جذورها عبر قرون طويلة من تاريخ الأمة العربية مما يدفعها للمحافظة على جذورها الممتدة في أعماق تاريخها المرتبطة بمفرداتها وعناصرها المتجذرة في أصولها ، المواكبة لمكانتها بين الأمم التي تستلهم ماضيها المشرق ولا تنسى حاضرها المؤسف ، وتتطلع إلى مستقبل أفضل من الحاضر ، يواكب طموحات الأجيال المتطلعة إلى حياة أفضل ومجال أرحب في مجال ثقافة أوسع على مستوى التقدم الباهر في هذا العصر .
ولا يعني الاهتمام بمسايرة العصر أن ندير ظهورنا لماضينا العلمي والفكري ونلهث وراء كل جديد معاصر ، ولو أنه لا يحقق لنا نتيجة ولا يضيف إلى ثقافتنا ما يفيد ، فليس المهم الركض خلف كل مستحدث لحداثته ، حتى لو لم يكن وراءه جدوى ، وإنما الأهم الأخذ من القديم أو الحديث بقدر ما يضيف إلى رصيدنا الفكري ما يدعمه ، وإلى مجالنا العلمي ما يعزره .
ومن الملاحظ في مسارنا العصري أننا نجد متابعة تقليدية لكل ما يصدر عن الأجنبي ، ولو كان لا يلتقي مع توجهاتنا ولا يزيد رصيدنا ، وأبرز هذه المتابعات ما نلمسه في التحولات الفكرية والمسارات الثقافية ، وقد تنطوي تلك التحولات على شطحات ، ربما امتدت إلى ماله مساس بثوابتنا وجور على قيمنا ، والسبب في ذلك يكمن في ازدراء بعضنا لتراثنا وتجاهل أصولنا وموروثاتنا ، والتطلع إلى ما لدى الغرب، ولو كان من مخلفات الماضي السحيق مما يرجع إلى تراث اليونان والرومان ، فما نقل إلينا من مواريث تلك الأمم البائدة فهو المستحسن في نظر المبهورين منا بما يصدره الغرب إلينا مما يعده من مقومات تراثه ، وما يتصل بتراثنا فإنه لا يستثير نخوتنا العربية للاهتمام به والتعرف عليه، وذلك يتمثل في الانقياد غير المبرر لكل ما يصدر عن الأمم الغربية ، حتى لو كان مخالفـًا لمفاهيمنا ومختلفـًا مع أصالة تراثنا ، على الرغم من توافر الإبداع فيما خلفه أسلافنا من فنون القول ومجالات العلوم والآداب.
إلا أن بعض المنظّرين من المفكرين العرب المحدثين نسي مآثر الأسلاف في حماسة التلقي عما يصـدر عن الغرب ، ومن أولئك المنظرين من أنكر أن يكون في أدبنا روايات طويلة أو قصص قصيرة ، وأن هذا اللون من الآداب لم يكن له أي ظلال في تراثنا ، ولم تعرف آدابنا إلا ما أخذناه من أدباء غربيين ابتكروا هذا الإنتاج وأبدعوا فيه، ومرد هذا التصور إلى الزهد في الاطلاع على المراجع التراثية في ثقافتنا، ولو أن الذين قالوا بتجريد تراثنا من جميع الفنون المستحدثة التفتوا إلى هذا التراث - كما التفت الغربيون إلى تراث من قبلهم - ومنحوه بعض اهتمامهم لوجدوا أن أسلافنا قد سبقوا الغربيين إلى التنويع في العطاء الأدبي ، فابتكروا في مجال الرواية والقصة ووضعوا الإرهاصات لهذا الفن الأدبي ، حيث ملامح هذا الفن الروائي لدى أبي العلاء المعري في (رسالة الغفران) التي تأثر بها دانتي في روايته التي تماثل (رسالة الغفران) والتي سماها (الجحيم).. كما نجد الملمح الآخر في رواية “روبنسن كروز ” الذي ذكر كثيرون من كبار الكتاب أنها مقتبسة من ” حي بن يقظان ” لابن طفيل .. وتبدو ملامح القصة واضحة في مقامات بديع الزمان الهمداني ومقامات الحريري ، وإن جاء منحاهما لتأصيل اللغة العربية وإثراء مفرداتها ، فقد جاء على منوال الحكاية التي تمثل إرهاصـًا لبناء القصة وتأصيلها في بداية تكوينها الفني .
ومن قبل ذلك حفل الشعر العربي منذ استهلاله في العصر الجاهلي ـ وعلى امتداد العصور التالية له ـ بملامح هذا اللون القصصي ، فلماذا نتنكر لماضينا ، ونتجاهل تلك الملامح ؟ !! فإنها مهما كانت خافتة في البداية فهي تمثل بوادر مبكرة في عالم الرواية والقصة - ؟!
فهل من مقتضى الانبهار بالطفرة الحضارية هو أن يهون تراثنا علينا الذي انصرفنا عنه تحت وطأة التهوين منه والتهويل لتراث الآخرين ؟!
وذلك ما دعا إلى وضع حاجز نفسي بيننا وبين رؤيتنا الواقعية لتراثنا الثقافي ، وإذا كانت هذه نظرة بعضنا إلى هذا التراث في ظل الانبهار بتراث الآخرين ، فقد استطاع صوت أسلافنا أن يعبر القرون ، وأن يحمله الأثير المتجدد إلى العالم في شكل عطاء علمي وثقافي ، وقد كان ذلك التراث بمثابة غذاء فكري وعطاء تنويري .
وإذا كان من المفيد أن ننفتح على الثقافات الأخرى جميعها على مختلف أنواعها على أساس أن المعرفة العلمية والثقافة بمفهومها العام قاسم مشترك للبشرية يستفيد منها الجميع ، فإننا نجد الغربيين قد استفادوا من إنتاج علمائنا ومفكرينا ، فدرسوا مؤلفاتهم في بدايات النهضة المعاصرة واقتبسوا كثيرًا من الأفكار والدراسات، ونحن على هذا المنوال نسترد الدين فيما نأخذ عنهم دون إخلال بنسق الحياة عندنا، ودون أن يحجب ذلك رؤيتنا الصادقة لمآثر أسلافنا وأمجاد ماضينا .
ولو استطاع العرب أن يتجاوزوا ضعفهم ويتخلوا عن التفرق بينهم الذي يكرس هوانهم ، وأن يغيروا الصورة الهامشية التي رسمها الغرب لهم والتي يعيشونها في حاضرهم ، لكان بإمكانهم تجديد حيويتهم واستنهاض هممهم و استنفار طاقاتهم ، وبهذا التوجه الحيوي ينتظمون في ركب التقدم الذي تخلفوا عنه مسافات طويلة تقدمتهم مجموعات من الأمم المعاصرة بملايين الأميال ، وهم شبه نائمين استطابوا الكسل فقنعوا من الحياة بالعيش على هامشها ، واكتفوا من التقدم باستغلال وسائله دون المشاركة في العمل والإنتاج .
وواقع الحال هذا مخالف للدين الذي يأمرهم بالعمل ويدعوهم إلى اليقظة ويحفزهم للتقدم ، كما أن ذلك مضاد لنهج التراث الذي ورثوه عن أسلافنا السابقين الذين كانت لهم مناراتهم العلمية وحضارتهم الإسلامية .
وقد مضت تلك العصور الزاهية بما حققته من معرفة وما تركته من مآثر عليمة وآثار فكرية كانت محل اهتمام الأمم الغربية وموضع الاستفادة منها في نهضتها الحاضرة ، فقد جرى تدريس عدة كتب عربية في مدارس الغربيين بعد أن تُرجمت إلى لغاتهم ؛ لأنها تشتمل على علوم مهمة وثروة معرفية كانوا يفتقرون إليها في بداية نهضتهم ، وقد أصبحت تلك المؤلفات ركيزة لمنطلق الحضارة في بدايتها المبكرة ، فكانت أسماء بعض علمائنا معروفة لدى الغرب أكثر مما هي معروفة لدى بعض المنتسبين إلى الأمة العربية المزدرين لكل ما ينتسب إلى أسلافنا من علم وفكر ، وكأن قد كُتب على الأمة العربية الإسلامية في حاضرها أن تتجرد من ماضيها ، وهذه النظرة الجاحدة تعتبر وصمة عقوق من أبنائها المنتمين إليها بالنسبة المخالفين لها في الروح .
وذلك المخاض التاريخي الذي تولدت عنه نهضة معرفية عربية مما يؤكد أن تراثنا لا يقل عن أي تراث حضاري إذا وجد له سياج من أبنائه يحميه من الضياع ويصونه عن الابتذال ، فلا يليق بنا أن نظل في موقفنا الحائر نقرع باب العصر فلا يؤذن لنا بالدخول في معتركه ؛ لأننا أمة فرطت في ماضيها ولم تصنع حاضرها ، وبذلك فقدت وجودها في عصر يموج بالحركة السريعة ويزخر بالإنجازات الرائعة والقفزات الباهرة ، ولن نلحق بركب التطور إلا إذا عادت الأمة إلى رشدها فاستلهمت ماضيها العلمي وجددت تاريهخا الحضاري وتحولت إلى واقع جديد في التطلع إلى الأمام والمساهمة في دورة العصر ، فإنها بذلك تستطيع أن تُثبت وجودها وحيويتها وتحتفظ بمكانتها مع بقائها مستمسكة بهويتها .
والمجتمعات الغربية ـ مع تطورها السريع وإنجازها المتطور وتفوقها غير المحدود فإنها – على اختلاف لغاتها وتعدد شعوبها وتنوع اتجاهاتها – ما زالت تحافظ على التراث الذي ورثته عن حضارات سابقة بقيت لها شواهد مماثلة في المتاحف ومعالم بارزة في السياحة ، كما أنها ظلت محل الاهتمام الجماعي ممثلة في إصدارات حديثة وإخراج جديدة .
ويمكن لثقافتنا أن تتعايش مع الثقافات المعاصرة متى التفتنا إليها من خلال رؤية موضوعية ، فنأخذ ما يضيف إلى ثقافتنا ولا يجرح هويتنا ، مطلوب من الأمة أن تحافظ على عقيدتها من أن تذوب ففي أي تيار وتلتزم بقيمها من أن تبتذل اتباعـًا لأي تقليد ، وأن تحرص على إيقاظ ماضيها العلمي المتألق وتعمل على تجديد سجلها الحضاري والاندماج في العصر دون الوقوف على عتبة التاريخ أو الاكتفاء بالانزواء في عباءة الماضي ، ولن يرجع المجد الذي اندرس أو يعود الإشراق الذي أفل إلا بالتجاوب مع حركة العصر إلى جانب التمسك بالجذور ، فعلينا أن نرسم لنا هدفـًا نصل إليه ونشق طريقـًا يقودنا إلى المجد ، ونصنع واقعـًا يعلو بنا إلى واقع الأمم الراقية ، ويضعنا على مستوى الشعوب المتفوقة .
أضحى مفهوم “حقوق الإنسانHuman Rights ” من المفاهيم شائعة الاستخدام في الأدبيات السياسية الحديثة وفي الخطاب السياسي المعاصر بشكل عام، وإن كانت العديد من الكتابات التي استخدمت هذا المفهوم لم تهتم بتأصيله، بل أصبح لشدة شيوعه يستعمل بدون تمحيص وكأنه لا مجال لمراجعته؛ لذا فمن المهم قراءة المفهوم في أصوله الغربية ومقارنته بوضع الإنسان وحقوقه/ واجباته في الإسلام.
اكتسب مفهوم حقوق الإنسانHuman Rights قبولاً على المستوى الأكاديمي والمستوى السياسي الدولي على حد سواء، فقد حاولت العديد من الأدبيات العربية إضفاء الصبغة الإسلامية على المفهوم، فبرزت كتابات تتحدث عن “حقوق الإنسان في الإسلام”، بل صدر بالفعل عن أحد المؤتمرات الإسلامية الدولية “بيان عالمي لحقوق الإنسان في الإسلام”، واحتفظ بنفس مفردات الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة مع محاولة إثبات عدم تعارضه مع الإسلام بعرض الأدلة الشرعية التي تساند هذه الحقوق، وهو ما يجعل الإطار الغربي للمفهوم في التحليل الأخير هو المرجعية.
وتثير القراءة في المصادر الغربية حول “حقوق الإنسان” كمفهوم العديد من التحفظات في ذهن الباحث بشأن صلاحية المفهوم وقدرته التفسيرية، ولعل أهم هذه التحفظات هي:
أولاً: غموض المفهوم
ففي حين يرجعه البعض إلى الرشادة والعقلانية ويلتمس له جذورًا في الفكر الإغريقي ثم المسيحي مباشرة، يرى البعض الآخر أن مصدر الحق هو أولاً القيم والقانون الوضعي ثم العرف والعادة.
وفي الوقت الذي تذكر فيه معظم الكتابات أن مضمون الحق هو أن للإنسان، بحكم كونه إنسانًا بغض النظر عن دينه ولونه وجنسه وكل الفوارق، حدًّا أدنى من الحقوق المكفولة، ترى بعض الكتابات الأخرى أن مضمون الحق جماعي لا فردي.
وتستند أغلب الكتابات الغربية عن حقوق الإنسان إلى عدد من الوثائق التاريخية كإعلان حقوق الإنسان بالولايات المتحدة (إعلان فرجينيا) 1776م، وإعلان الثورة الفرنسية 1790م، ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر 1947م عن الأمم المتحدة.
وبرغم أن مفهوم “حقوق الإنسان” حديث نسبيًّا في الثقافة الغربية، بل لم يعرف اليونان مفهوم “الحق” ولم يضعوا له لفظًا يقابله لغويًّا، إلا أن الفكر الغربي التمس له في البداية جذورًا في الفلسفة اليونانية، فأسسه على فكر “القانون الطبيعي” الذي يمكن في إطاره الحديث عن “حق طبيعي”، وهي فكرة تفترض نسقًا من القيم المرتبطة بالإنسان والتي تمثل إنسانيته وتعبر عنها، وهي بدورها فكرة غامضة وتعرضت لانتقادات أبرزها: أنه طالما افتقر “القانون الطبيعي” للوضوح والتجديد والتعاقدية والإلزام الذي يتسم به القانون الوضعي، فإن أي حقوق مرتبطة به تبقى غير محددة وغير معترف بها.
وبرغم قبول الفكر الغربي في تطوره في العصر الروماني ثم المسيحي لفكرة القانون الطبيعي، إلا أن بدايات الصراع بين الكنيسة والدولة في أوروبا شهدت بروز آراء تنتقد فكرة القانون الطبيعي باعتبارها من جهة ذات أبعاد غيبية/ فلسفية قد لا يقبلها البعض، ومن جهة أخرى تفترض ثبات هذا القانون الطبيعي كأصل وعدم تطوره، فطرح البعض مفهوم مبادئ العدالة كأساس لحقوق الإنسان.
ومع إرهاصات عصر البحث عن أساس لا ديني لحقوق الإنسان، برزت فكرة “العقد الاجتماعي” التي تقوم في جوهرها على علمانية نشأة الدولة ونفي البعد الإلهي عنها، ثم استقر في النهاية تأسيس مفهوم حقوق الإنسان على فكرة المنفعة بدءاً من كتابات “بنثام” وحتى الآن.
وقد أدت “المنفعة” كفكرة محورية في مشروع التنوير الغربي في تطورها إلى إخضاع تحليل الظاهرة الاجتماعية والسياسية للمفاهيم الاقتصادية، فكما يبحث الإنسان بشكل عقلاني عن تعظيم منفعته في التبادلات الاقتصادية، كذلك يسعى إلى الوصول إلى “نقطة التوازن” بين منفعته ومنفعة الآخرين في علاقاته الاجتماعية والسياسية، وهو يحترم بذلك حقوق الآخرين كي يضمن احترامهم لحقوقه في ظل مجموعة توازنات واقعية، وقانون وضعي ينظم هذه الحقوق المتبادلة.
وبرغم أن هذه الفكرة تفترض – نظريًّا - وجود نقطة توازن بين حق الفرد وحق الآخرين، ومنفعته ومنفعتهم، إلا أن المنفعة الفردية في الواقع العملي تطغى على الرشادة والعقلانية، وكلما اصطبغت الحقوق بالصبغة التعاقدية والتحديد القانوني، غلبت المنفعة الفردية في العلاقات التي لا ينظمها القانون، وهي كثيرة، وكلما سعى الفرد في بعض الأحيان إلى تطويع القانون ذاته واستغلال ثغراته في سبيل منفعته الفردية التي تحتل الأولوية، وهو ما يمثل إشكالية نظرية ومأزقًا واقعيًّا لمشروع التنوير الذي يمثل أساس الفكر الغربي المعاصر.
ثانيًا: الخصوصية الحضارية للمفهوم وعلمانيته
فالتطور التاريخي لفكرة حقوق الإنسان في الغرب يؤكد أن المعنى المقصود في تشريع الحقوق الإنسانية هو تحقيق الأهداف والقيم الغربية والتي ترتبط بالخبرة التاريخية لسياق حضاري معين، فالانطلاق الفعلي لفكرة حقوق الإنسان جاء مع الثورة الفرنسية، وهدف إلى التخلص من استبداد الملوك، وتزامن مع كتابات مفكري تيار الإصلاح الديني البروتستانتي في أوروبا والتي سعت لإزالة سلطان الكنيسة وكتابات الوضعيين، وهي التي أكدت على فكرة المجتمع المدني وكون الإنسان ذا حقوق طبيعية لا إلهية، “فالطبيعي” يحل محل “الإلهي” أو “الوحي”.
مفهوم حقوق الإنسان إذًا هو تركيز للقيم والمبادئ التي انتهى إليها الفكر الأوروبي والرأسمالي في تطوره التاريخي، كما أنه نموذج للمفاهيم التي يحاول الغرب فرض عالميتها على الشعوب الأخرى في إطار محاولته فرض سيطرته ومصالحه القومية، بل ويستغل ذلك سياسيًّا في كثير من الأحيان، كما يحدث في العلاقات الدولية وفي الدفاع عن حقوق بعض الأقليات بهدف زعزعة وضرب النظم السياسية المخالفة والخارجة عن “الشرعية الدولية” و”النظام العالمي الجديد”.
وإذا كانت بعض الكتابات الغربية تحاول تأكيد هذه “العالمية” للمفهوم، فإن دراسات أخرى، خاصة في إطار علم الأنثروبولوجيا، تؤكد على نسبية المفهوم وحدوده الثقافية مؤكدة أهمية النظر في رؤية حضارات أخرى للإنسان وحقوقه انطلاقًا من الفلسفة التي تسود الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة، وهي التأكد على التباين والتعددية في الثقافات والخصوصيات الحضارية لكل منطقة.
إن الخبرة السياسية ذات أهمية بالغة في بناء المفاهيم، ولعل مفهوم حقوق الإنسان من المفاهيم التي تعكس ذلك بشكل واضح، فقد يُعَدُّ “الجهاد” في التحليل الغربي اعتداءً على السيادة وتدخلاً في شؤون الدول الأخرى ووسيلة من وسائل استخدام القوة في تسوية المنازعات، في حين أنه في الرؤية الإسلامية بدرجاته المختلفة دفاع عن حرية الفرد في اختيار عقيدته وحقه في العلم بدين الإسلام، ووسيلة لردع الباطل ومقاومته.
وعلى المستوى الاجتماعي ترى الكتابات الغربية في تحريم الإسلام زواج المسلمة من غير المسلم تقييداً لحق المرأة وإهدارًا لحقوق الإنسان وتمييزًا على أساس العقيدة وحرمانًا للمرأة من حرية اختيار شريكها، في حين تراه الرؤية الإسلامية حفاظًا على الشكل الإسلامي للأسرة وحماية لعقيدة الأطفال وصونًا للمرأة المسلمة من أن يكون صاحب القوامة عليها غير مسلم، وهكذا.
وقد أدى هذا الاختلاف إلى هجوم بعض الكتابات الغربية على الإسلام واتهامه بأنه هو العدو والتحدي الحقيقي لحقوق الإنسان بمفهومها “العلماني” و”العالمي”، فهذه الكتابات لم تدرك اختلاف المفاهيم الإسلامية عن غيرها، ومرجعيتها المتميزة نتيجة ارتباطها بالشرع، وبحث أصحابها عن مفهوم “حقوق الإنسان” بعناصره الغربية ولفظه اللغوي فلم يجدوه، وغفلوا عن خصوصية اللغة وخصوصية الرؤية الإسلامية للإنسان وحقوقه، فالإسلام قد بالغ في رعايته حقوق الإنسان إلى الحد الذي جعلها في نظره ضروريات، ومن ثَمَّ أدخلها في إطار الواجبات، فالمأكل والملبس والمسكن والأمن وحرية الفكر والاعتقاد والتعبير والمشاركة في صياغة النظام العام للمجتمع ومحاسبة أولي الأمر، كل هذه أمور نظر إليها الإسلام لا باعتبارها فقط حقوقًا للإنسان “يمكن” السعي للحصول عليها والمطالبة بها، بل هي ضرورات واجبة للإنسان، والمحافظة عليها هي محافظة على ضرورات وجوده التي هي مقاصد الشرع، فضلاً عن حفظ حاجيَّات هذا الوجود بوضع أحكام العلاقات الإنسانية في سائر المعاملات، وأخيرًا، حفظ تحسينيات الوجود الإنساني من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
إن منطلق حقوق الإنسان في الخطاب الغربي هو الحق الطبيعي المرتبط بذاتية الإنسان من الناحية الطبيعية - بغض النظر عن الفكر والمنهج - بينما الحق الشرعي للإنسان في الإسلام يستند إلى التكريم الإلهي ويرتبط بمفاهيم الأمانة والاستخلاف والعبودية لله وعمارة الأرض، ولا ينفصل عن حقوق الله لارتباطه بالشريعة التي تنظمه، وهو ما يجعله غير قابل للإسقاط بعقد أو صلح أو إبراء، فحقوق الإنسان الشرعية ليس من حق الفرد أو الجماعة التنازل عنها أو عن بعضها، وإنما هي ضرورات إنسانية توجب الشريعة الحفاظ عليها من قبل الدولة والجماعة والفرد، فإذا قصَّرت الدولة وجب على الأمة أفرادًا وجماعات تحملها؛ لذا كان مدخل “الواجب الشرعي” في الرؤية الإسلامية هو المدخل الأصح لفهم نظرة الإسلام للإنسان ومكانته وحقوقه، خاصة السياسي منها، تحقيقًا للمنهج الذي يربط بين الدراسة الاجتماعية السياسية والمفاهيم الشرعية من أجل بلورة رؤية إسلامية معاصرة.
زرقاء، لا غيمة واحدة فيها، سماء كأنها البحر·· البحر هادئ كزيت أزرق على شواطئ الصابلات وصلامندر·· جسر كأنه يؤدي إلى السماء الزرقاء، وتحته تعج أمواج من البشر في سوق شعبي عريق، وبين حافتي الجسر يمكنك أن ترى القباب البيضاء تتحدى الأيام·· قباب أولياء الله الصالحين الذين يتوزعون على مدينة مستغانم·· تغيب الألوان، كل الألوان إلا لونان·· الأبيض بياض القباب، والأزرق زرقة الشفق الأزرق من السماء وزرقة الماء كأنه شفق أزرق للبحر الذي كان يسمى بحر الروم، وأنت تعبر الجسر كأنها بصدد المرور إلى ما وراء الشفق الأزرق·
مزرغران حيث شاطئ الصابلات إلى الخلف، وإلى الأمام جسر يعبر إلى مدينة سيدي لخضر، وسيدي لخضر بن عبد الله بن خلوف الذي كان أميرا للمرابطين بمنطقة جبال الظهرة، جاء إلى مزغران مع والده قادما من قبيلة أزافرييا التي قضى بها طفولته الأولى·· مزغران الآن شواطئ زرقاء عليك أن تعبر بجانبها تحت شفق السماء الأزرق مقتفيا أثر سيدي لخضر الذي مازالت نخلته تحرسه بعد تلك القرون العديدة من رحيله عن عالمنا إلى ما وراء الشفق الأزرق، وما تزال النخلة الطالعة من الضريح تطلع وتطلع وتتلوى، ثم تستقيم كأنها تريد بلوغ السماء بحثا عن روح سيدي لخضر الذي ترقد رفاته عند جذورها الضاربة في التراب والضاربة في القرون من الزمان، وعند ذلك المكان الذي مازال يسمى بلدة ”سيدي لخضر”·· بحر الروم كأنه زيت أزرق، الروم·· الأرمادة الإسبانية الرومية تجثو على مياه بحر الروم والزمن هو 26 أوت ,1558 والأخضر بن خلوف يشارك في حرب الجيوش العثمانية ضد الأرمادة الإسبانية الرومية في مياه بحر الروم·· البحر الذي يسمى الآن بالأبيض المتوسط مع أنه أزرق تماما، وهي تسمية أكثـر إنصافا وحيادية، على أية حال لم يكن حياديا من ناحية الاسم، وكان الأخضر بن خلوف في زمنه ورغم محاربته للروم يسلم من ناحية التسمية أن البحر بحرهم، وكان يتأمل في البحر وإلى ما وراء مضيق جبل طارق من الناحية الغربية· وكان يفكر في المحيط الأطلسي الذي كان يسمى بحر الظلمات، كان يتأمل في ملكوت الله، زاهدا في هذه الدنيا، وكان يفكر في ما وراء الظلمات التي يغوص بها في بحر الظلمات، ويقول:
قدر ما في بحر الظلام
من هوايش وحيتان بلا قدر عايشين
مع الموجات بلا زمام
وعدد الرملة والأحجار اللي كاينين
الصلاة والسلام·
لالا مرياما والأولياء
تمر الأطياف عند عبور الجسر، تغيب الزرقة قيلا·· رزقة البحر، وتستمر السماء زرقاء لا لون آخر فيها، إلا لون أشعة الشمس الملتهبة كأنها تقول أشياء وهي تلون زرقة السماء·· مساحات خضراء، تحت سماء زرقاء وهضبات تنتهي بقباب لبعض الأولياء الذين يحيطون بمستغانم وضواحيها·· بلدة خير الدين تطل من بعيد، ووسط قباب الأولياء، ”قبة” من نوع خاص هي لـ ”لالا مارياما” التي يسمونها عند الضفة الأخرى من بحر الروم ”سانتا ماريا”·· هي قديسة وليست كالأولياء، تقام الوعدات وتوزع على قباب الأولياء الصالحين، حيث يحج إليها الناس من كل فج، وعندما ينتهون من طقوس الوعدة يذهب بعضهم إلى مقام لالا مرياما احتراما لها وتبركا بها، وبعضهم يطلب منها أن تلبي بعض الأمنيات الدنيوية البسيطة، تفريجا لكرب أو شكاية من هجر حبيب أو طلبا لوصل قد يكون مستحيلا لمعطيات واقعية، وتمتد أرض أسفلت كأنها بلا نهاية وسط الحقول الخضراء في هذا الفصل الحار، ومن هناك الطريق تشق بلدة عين بودينار، ثم أولاد علي وكان اللحن الصوفي يتصاعد شيئا فشيئا عند قول الولي سيدي لخضر:
صلى الله على صاحب المقام الرفيع
والسلام على الطاهر الحبيب الشفيع
قدر الداعي والمدعي ومن هو سميع
قدر الشاري في السوق ومن جاء يبيع
قدر الطايع للحق راه في أمره سميع
قدر ما قبضت اليد الكافلة بالجميع
قدر الحلفة والدوم والزرع والربيع
وعند البلدة تتفتح أزهار البنفسج، التي لا تعمر إلا سعات معدودات، لكنها مبتهجة بالحياة كأنها ستعيش أبدا، ولا تلتفت إلى الأزهار الأخرى التي تفتحت قبل يوم وماتت قبل ساعات·· أزهار البنفسج المستقبلة الموت فرحا تسكن الذاكرة والإسفلت يشق المدن الصغيرة والقرى ويصل عين تادلس، حيث يسكن الشيخ الجيلالي، المطرب البدوي الشهير وريث الشيخ حمادة ابن منطقة مستغانم، تختلط الألحان الصفية لفرق العيساوة المنبعثة من السي دي مع ألحان الشيخ الجيلالي عين تادلس بالقصبة والفلال المنبعثة من الذاكرة· ويذهب الخيال بعيدا حيث يجتمع سيدي لخضر بن خلوف مع الشيخ الجيلالي عين تادلس والشيخ حمادة، هناك بعيدا وراء الشفق الأزرق الناصع الزرقة التي تسمى سماوية وهناك ينتهي كل شيء إلا أن أرض الإسفلت لا تنتهي كأنها تعاندت الجغرافيا وهي تتلوى بحثا عن ضريح سيدي لخضر بن خلوف الذي يسكن عند ربوة لم ينسها التاريخ وبقي ذكره متجددا، تستمر طريق الإسفلت باحثة عن المقام، واللحن العيساوي يذكر الولي بودربالة، الذي يذكر في أغنية ”مرحبا يا رجال الله” للشابة الزهوانية، ويمتزج قول الزهوانية: ”بوعلام الغالي” القادم من الذاكرة مع قول المنشد العيساوي: ”سيدي عبد القادر، سلطان البر والبحر” وما بوعلام إلا عبد القادر الجيلالي المتصوف الكبير دفين بغداد صاحب الكرامات التي لا تعد، ثم يقول المنشد: ”صاحب الشفاعة، ابعث لهم السلام·· جنة الفردوس من تحت أقدامنا”·· لحظتها يكون طريق الإسفلت كأنه معلق وتحته جنات من الأشجار ليشق بلدة سيدي بلعطار·
يونيو 6th, 2008 at 6 يونيو 2008 8:52 ص
SEIF EDDINE BELATTAR بلعطار بس والباقي ……………………
يونيو 6th, 2008 at 6 يونيو 2008 8:58 ص
VIVE LA FAMILLE BELATTAR
يوليو 9th, 2008 at 9 يوليو 2008 3:22 م
الثقافة والتراث
——————————————————————————–
إذا كان لكل أمة تراث تعتز به وترجع إليه ، فإن تراث أمتنا العربية عميق الجذور ، فهو يرتبط في منبعه بالأصالة وفي امتداده بالرواية ، وهو بذلك من أهم مصادر ثقافتنا .
ويشكل المد الثقافي عندنا أهمية بارزة في الهوّية العربية بحكم أنها تستمد جذورها عبر قرون طويلة من تاريخ الأمة العربية مما يدفعها للمحافظة على جذورها الممتدة في أعماق تاريخها المرتبطة بمفرداتها وعناصرها المتجذرة في أصولها ، المواكبة لمكانتها بين الأمم التي تستلهم ماضيها المشرق ولا تنسى حاضرها المؤسف ، وتتطلع إلى مستقبل أفضل من الحاضر ، يواكب طموحات الأجيال المتطلعة إلى حياة أفضل ومجال أرحب في مجال ثقافة أوسع على مستوى التقدم الباهر في هذا العصر .
ولا يعني الاهتمام بمسايرة العصر أن ندير ظهورنا لماضينا العلمي والفكري ونلهث وراء كل جديد معاصر ، ولو أنه لا يحقق لنا نتيجة ولا يضيف إلى ثقافتنا ما يفيد ، فليس المهم الركض خلف كل مستحدث لحداثته ، حتى لو لم يكن وراءه جدوى ، وإنما الأهم الأخذ من القديم أو الحديث بقدر ما يضيف إلى رصيدنا الفكري ما يدعمه ، وإلى مجالنا العلمي ما يعزره .
ومن الملاحظ في مسارنا العصري أننا نجد متابعة تقليدية لكل ما يصدر عن الأجنبي ، ولو كان لا يلتقي مع توجهاتنا ولا يزيد رصيدنا ، وأبرز هذه المتابعات ما نلمسه في التحولات الفكرية والمسارات الثقافية ، وقد تنطوي تلك التحولات على شطحات ، ربما امتدت إلى ماله مساس بثوابتنا وجور على قيمنا ، والسبب في ذلك يكمن في ازدراء بعضنا لتراثنا وتجاهل أصولنا وموروثاتنا ، والتطلع إلى ما لدى الغرب، ولو كان من مخلفات الماضي السحيق مما يرجع إلى تراث اليونان والرومان ، فما نقل إلينا من مواريث تلك الأمم البائدة فهو المستحسن في نظر المبهورين منا بما يصدره الغرب إلينا مما يعده من مقومات تراثه ، وما يتصل بتراثنا فإنه لا يستثير نخوتنا العربية للاهتمام به والتعرف عليه، وذلك يتمثل في الانقياد غير المبرر لكل ما يصدر عن الأمم الغربية ، حتى لو كان مخالفـًا لمفاهيمنا ومختلفـًا مع أصالة تراثنا ، على الرغم من توافر الإبداع فيما خلفه أسلافنا من فنون القول ومجالات العلوم والآداب.
إلا أن بعض المنظّرين من المفكرين العرب المحدثين نسي مآثر الأسلاف في حماسة التلقي عما يصـدر عن الغرب ، ومن أولئك المنظرين من أنكر أن يكون في أدبنا روايات طويلة أو قصص قصيرة ، وأن هذا اللون من الآداب لم يكن له أي ظلال في تراثنا ، ولم تعرف آدابنا إلا ما أخذناه من أدباء غربيين ابتكروا هذا الإنتاج وأبدعوا فيه، ومرد هذا التصور إلى الزهد في الاطلاع على المراجع التراثية في ثقافتنا، ولو أن الذين قالوا بتجريد تراثنا من جميع الفنون المستحدثة التفتوا إلى هذا التراث - كما التفت الغربيون إلى تراث من قبلهم - ومنحوه بعض اهتمامهم لوجدوا أن أسلافنا قد سبقوا الغربيين إلى التنويع في العطاء الأدبي ، فابتكروا في مجال الرواية والقصة ووضعوا الإرهاصات لهذا الفن الأدبي ، حيث ملامح هذا الفن الروائي لدى أبي العلاء المعري في (رسالة الغفران) التي تأثر بها دانتي في روايته التي تماثل (رسالة الغفران) والتي سماها (الجحيم).. كما نجد الملمح الآخر في رواية “روبنسن كروز ” الذي ذكر كثيرون من كبار الكتاب أنها مقتبسة من ” حي بن يقظان ” لابن طفيل .. وتبدو ملامح القصة واضحة في مقامات بديع الزمان الهمداني ومقامات الحريري ، وإن جاء منحاهما لتأصيل اللغة العربية وإثراء مفرداتها ، فقد جاء على منوال الحكاية التي تمثل إرهاصـًا لبناء القصة وتأصيلها في بداية تكوينها الفني .
ومن قبل ذلك حفل الشعر العربي منذ استهلاله في العصر الجاهلي ـ وعلى امتداد العصور التالية له ـ بملامح هذا اللون القصصي ، فلماذا نتنكر لماضينا ، ونتجاهل تلك الملامح ؟ !! فإنها مهما كانت خافتة في البداية فهي تمثل بوادر مبكرة في عالم الرواية والقصة - ؟!
فهل من مقتضى الانبهار بالطفرة الحضارية هو أن يهون تراثنا علينا الذي انصرفنا عنه تحت وطأة التهوين منه والتهويل لتراث الآخرين ؟!
وذلك ما دعا إلى وضع حاجز نفسي بيننا وبين رؤيتنا الواقعية لتراثنا الثقافي ، وإذا كانت هذه نظرة بعضنا إلى هذا التراث في ظل الانبهار بتراث الآخرين ، فقد استطاع صوت أسلافنا أن يعبر القرون ، وأن يحمله الأثير المتجدد إلى العالم في شكل عطاء علمي وثقافي ، وقد كان ذلك التراث بمثابة غذاء فكري وعطاء تنويري .
وإذا كان من المفيد أن ننفتح على الثقافات الأخرى جميعها على مختلف أنواعها على أساس أن المعرفة العلمية والثقافة بمفهومها العام قاسم مشترك للبشرية يستفيد منها الجميع ، فإننا نجد الغربيين قد استفادوا من إنتاج علمائنا ومفكرينا ، فدرسوا مؤلفاتهم في بدايات النهضة المعاصرة واقتبسوا كثيرًا من الأفكار والدراسات، ونحن على هذا المنوال نسترد الدين فيما نأخذ عنهم دون إخلال بنسق الحياة عندنا، ودون أن يحجب ذلك رؤيتنا الصادقة لمآثر أسلافنا وأمجاد ماضينا .
ولو استطاع العرب أن يتجاوزوا ضعفهم ويتخلوا عن التفرق بينهم الذي يكرس هوانهم ، وأن يغيروا الصورة الهامشية التي رسمها الغرب لهم والتي يعيشونها في حاضرهم ، لكان بإمكانهم تجديد حيويتهم واستنهاض هممهم و استنفار طاقاتهم ، وبهذا التوجه الحيوي ينتظمون في ركب التقدم الذي تخلفوا عنه مسافات طويلة تقدمتهم مجموعات من الأمم المعاصرة بملايين الأميال ، وهم شبه نائمين استطابوا الكسل فقنعوا من الحياة بالعيش على هامشها ، واكتفوا من التقدم باستغلال وسائله دون المشاركة في العمل والإنتاج .
وواقع الحال هذا مخالف للدين الذي يأمرهم بالعمل ويدعوهم إلى اليقظة ويحفزهم للتقدم ، كما أن ذلك مضاد لنهج التراث الذي ورثوه عن أسلافنا السابقين الذين كانت لهم مناراتهم العلمية وحضارتهم الإسلامية .
وقد مضت تلك العصور الزاهية بما حققته من معرفة وما تركته من مآثر عليمة وآثار فكرية كانت محل اهتمام الأمم الغربية وموضع الاستفادة منها في نهضتها الحاضرة ، فقد جرى تدريس عدة كتب عربية في مدارس الغربيين بعد أن تُرجمت إلى لغاتهم ؛ لأنها تشتمل على علوم مهمة وثروة معرفية كانوا يفتقرون إليها في بداية نهضتهم ، وقد أصبحت تلك المؤلفات ركيزة لمنطلق الحضارة في بدايتها المبكرة ، فكانت أسماء بعض علمائنا معروفة لدى الغرب أكثر مما هي معروفة لدى بعض المنتسبين إلى الأمة العربية المزدرين لكل ما ينتسب إلى أسلافنا من علم وفكر ، وكأن قد كُتب على الأمة العربية الإسلامية في حاضرها أن تتجرد من ماضيها ، وهذه النظرة الجاحدة تعتبر وصمة عقوق من أبنائها المنتمين إليها بالنسبة المخالفين لها في الروح .
وذلك المخاض التاريخي الذي تولدت عنه نهضة معرفية عربية مما يؤكد أن تراثنا لا يقل عن أي تراث حضاري إذا وجد له سياج من أبنائه يحميه من الضياع ويصونه عن الابتذال ، فلا يليق بنا أن نظل في موقفنا الحائر نقرع باب العصر فلا يؤذن لنا بالدخول في معتركه ؛ لأننا أمة فرطت في ماضيها ولم تصنع حاضرها ، وبذلك فقدت وجودها في عصر يموج بالحركة السريعة ويزخر بالإنجازات الرائعة والقفزات الباهرة ، ولن نلحق بركب التطور إلا إذا عادت الأمة إلى رشدها فاستلهمت ماضيها العلمي وجددت تاريهخا الحضاري وتحولت إلى واقع جديد في التطلع إلى الأمام والمساهمة في دورة العصر ، فإنها بذلك تستطيع أن تُثبت وجودها وحيويتها وتحتفظ بمكانتها مع بقائها مستمسكة بهويتها .
والمجتمعات الغربية ـ مع تطورها السريع وإنجازها المتطور وتفوقها غير المحدود فإنها – على اختلاف لغاتها وتعدد شعوبها وتنوع اتجاهاتها – ما زالت تحافظ على التراث الذي ورثته عن حضارات سابقة بقيت لها شواهد مماثلة في المتاحف ومعالم بارزة في السياحة ، كما أنها ظلت محل الاهتمام الجماعي ممثلة في إصدارات حديثة وإخراج جديدة .
ويمكن لثقافتنا أن تتعايش مع الثقافات المعاصرة متى التفتنا إليها من خلال رؤية موضوعية ، فنأخذ ما يضيف إلى ثقافتنا ولا يجرح هويتنا ، مطلوب من الأمة أن تحافظ على عقيدتها من أن تذوب ففي أي تيار وتلتزم بقيمها من أن تبتذل اتباعـًا لأي تقليد ، وأن تحرص على إيقاظ ماضيها العلمي المتألق وتعمل على تجديد سجلها الحضاري والاندماج في العصر دون الوقوف على عتبة التاريخ أو الاكتفاء بالانزواء في عباءة الماضي ، ولن يرجع المجد الذي اندرس أو يعود الإشراق الذي أفل إلا بالتجاوب مع حركة العصر إلى جانب التمسك بالجذور ، فعلينا أن نرسم لنا هدفـًا نصل إليه ونشق طريقـًا يقودنا إلى المجد ، ونصنع واقعـًا يعلو بنا إلى واقع الأمم الراقية ، ويضعنا على مستوى الشعوب المتفوقة .
يوليو 9th, 2008 at 9 يوليو 2008 3:24 م
إشكاليات مفهوم “حقوق الإنسان”
——————————————————————————–
أضحى مفهوم “حقوق الإنسانHuman Rights ” من المفاهيم شائعة الاستخدام في الأدبيات السياسية الحديثة وفي الخطاب السياسي المعاصر بشكل عام، وإن كانت العديد من الكتابات التي استخدمت هذا المفهوم لم تهتم بتأصيله، بل أصبح لشدة شيوعه يستعمل بدون تمحيص وكأنه لا مجال لمراجعته؛ لذا فمن المهم قراءة المفهوم في أصوله الغربية ومقارنته بوضع الإنسان وحقوقه/ واجباته في الإسلام.
اكتسب مفهوم حقوق الإنسانHuman Rights قبولاً على المستوى الأكاديمي والمستوى السياسي الدولي على حد سواء، فقد حاولت العديد من الأدبيات العربية إضفاء الصبغة الإسلامية على المفهوم، فبرزت كتابات تتحدث عن “حقوق الإنسان في الإسلام”، بل صدر بالفعل عن أحد المؤتمرات الإسلامية الدولية “بيان عالمي لحقوق الإنسان في الإسلام”، واحتفظ بنفس مفردات الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة مع محاولة إثبات عدم تعارضه مع الإسلام بعرض الأدلة الشرعية التي تساند هذه الحقوق، وهو ما يجعل الإطار الغربي للمفهوم في التحليل الأخير هو المرجعية.
وتثير القراءة في المصادر الغربية حول “حقوق الإنسان” كمفهوم العديد من التحفظات في ذهن الباحث بشأن صلاحية المفهوم وقدرته التفسيرية، ولعل أهم هذه التحفظات هي:
أولاً: غموض المفهوم
ففي حين يرجعه البعض إلى الرشادة والعقلانية ويلتمس له جذورًا في الفكر الإغريقي ثم المسيحي مباشرة، يرى البعض الآخر أن مصدر الحق هو أولاً القيم والقانون الوضعي ثم العرف والعادة.
وفي الوقت الذي تذكر فيه معظم الكتابات أن مضمون الحق هو أن للإنسان، بحكم كونه إنسانًا بغض النظر عن دينه ولونه وجنسه وكل الفوارق، حدًّا أدنى من الحقوق المكفولة، ترى بعض الكتابات الأخرى أن مضمون الحق جماعي لا فردي.
وتستند أغلب الكتابات الغربية عن حقوق الإنسان إلى عدد من الوثائق التاريخية كإعلان حقوق الإنسان بالولايات المتحدة (إعلان فرجينيا) 1776م، وإعلان الثورة الفرنسية 1790م، ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر 1947م عن الأمم المتحدة.
وبرغم أن مفهوم “حقوق الإنسان” حديث نسبيًّا في الثقافة الغربية، بل لم يعرف اليونان مفهوم “الحق” ولم يضعوا له لفظًا يقابله لغويًّا، إلا أن الفكر الغربي التمس له في البداية جذورًا في الفلسفة اليونانية، فأسسه على فكر “القانون الطبيعي” الذي يمكن في إطاره الحديث عن “حق طبيعي”، وهي فكرة تفترض نسقًا من القيم المرتبطة بالإنسان والتي تمثل إنسانيته وتعبر عنها، وهي بدورها فكرة غامضة وتعرضت لانتقادات أبرزها: أنه طالما افتقر “القانون الطبيعي” للوضوح والتجديد والتعاقدية والإلزام الذي يتسم به القانون الوضعي، فإن أي حقوق مرتبطة به تبقى غير محددة وغير معترف بها.
وبرغم قبول الفكر الغربي في تطوره في العصر الروماني ثم المسيحي لفكرة القانون الطبيعي، إلا أن بدايات الصراع بين الكنيسة والدولة في أوروبا شهدت بروز آراء تنتقد فكرة القانون الطبيعي باعتبارها من جهة ذات أبعاد غيبية/ فلسفية قد لا يقبلها البعض، ومن جهة أخرى تفترض ثبات هذا القانون الطبيعي كأصل وعدم تطوره، فطرح البعض مفهوم مبادئ العدالة كأساس لحقوق الإنسان.
ومع إرهاصات عصر البحث عن أساس لا ديني لحقوق الإنسان، برزت فكرة “العقد الاجتماعي” التي تقوم في جوهرها على علمانية نشأة الدولة ونفي البعد الإلهي عنها، ثم استقر في النهاية تأسيس مفهوم حقوق الإنسان على فكرة المنفعة بدءاً من كتابات “بنثام” وحتى الآن.
وقد أدت “المنفعة” كفكرة محورية في مشروع التنوير الغربي في تطورها إلى إخضاع تحليل الظاهرة الاجتماعية والسياسية للمفاهيم الاقتصادية، فكما يبحث الإنسان بشكل عقلاني عن تعظيم منفعته في التبادلات الاقتصادية، كذلك يسعى إلى الوصول إلى “نقطة التوازن” بين منفعته ومنفعة الآخرين في علاقاته الاجتماعية والسياسية، وهو يحترم بذلك حقوق الآخرين كي يضمن احترامهم لحقوقه في ظل مجموعة توازنات واقعية، وقانون وضعي ينظم هذه الحقوق المتبادلة.
وبرغم أن هذه الفكرة تفترض – نظريًّا - وجود نقطة توازن بين حق الفرد وحق الآخرين، ومنفعته ومنفعتهم، إلا أن المنفعة الفردية في الواقع العملي تطغى على الرشادة والعقلانية، وكلما اصطبغت الحقوق بالصبغة التعاقدية والتحديد القانوني، غلبت المنفعة الفردية في العلاقات التي لا ينظمها القانون، وهي كثيرة، وكلما سعى الفرد في بعض الأحيان إلى تطويع القانون ذاته واستغلال ثغراته في سبيل منفعته الفردية التي تحتل الأولوية، وهو ما يمثل إشكالية نظرية ومأزقًا واقعيًّا لمشروع التنوير الذي يمثل أساس الفكر الغربي المعاصر.
ثانيًا: الخصوصية الحضارية للمفهوم وعلمانيته
فالتطور التاريخي لفكرة حقوق الإنسان في الغرب يؤكد أن المعنى المقصود في تشريع الحقوق الإنسانية هو تحقيق الأهداف والقيم الغربية والتي ترتبط بالخبرة التاريخية لسياق حضاري معين، فالانطلاق الفعلي لفكرة حقوق الإنسان جاء مع الثورة الفرنسية، وهدف إلى التخلص من استبداد الملوك، وتزامن مع كتابات مفكري تيار الإصلاح الديني البروتستانتي في أوروبا والتي سعت لإزالة سلطان الكنيسة وكتابات الوضعيين، وهي التي أكدت على فكرة المجتمع المدني وكون الإنسان ذا حقوق طبيعية لا إلهية، “فالطبيعي” يحل محل “الإلهي” أو “الوحي”.
مفهوم حقوق الإنسان إذًا هو تركيز للقيم والمبادئ التي انتهى إليها الفكر الأوروبي والرأسمالي في تطوره التاريخي، كما أنه نموذج للمفاهيم التي يحاول الغرب فرض عالميتها على الشعوب الأخرى في إطار محاولته فرض سيطرته ومصالحه القومية، بل ويستغل ذلك سياسيًّا في كثير من الأحيان، كما يحدث في العلاقات الدولية وفي الدفاع عن حقوق بعض الأقليات بهدف زعزعة وضرب النظم السياسية المخالفة والخارجة عن “الشرعية الدولية” و”النظام العالمي الجديد”.
وإذا كانت بعض الكتابات الغربية تحاول تأكيد هذه “العالمية” للمفهوم، فإن دراسات أخرى، خاصة في إطار علم الأنثروبولوجيا، تؤكد على نسبية المفهوم وحدوده الثقافية مؤكدة أهمية النظر في رؤية حضارات أخرى للإنسان وحقوقه انطلاقًا من الفلسفة التي تسود الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة، وهي التأكد على التباين والتعددية في الثقافات والخصوصيات الحضارية لكل منطقة.
إن الخبرة السياسية ذات أهمية بالغة في بناء المفاهيم، ولعل مفهوم حقوق الإنسان من المفاهيم التي تعكس ذلك بشكل واضح، فقد يُعَدُّ “الجهاد” في التحليل الغربي اعتداءً على السيادة وتدخلاً في شؤون الدول الأخرى ووسيلة من وسائل استخدام القوة في تسوية المنازعات، في حين أنه في الرؤية الإسلامية بدرجاته المختلفة دفاع عن حرية الفرد في اختيار عقيدته وحقه في العلم بدين الإسلام، ووسيلة لردع الباطل ومقاومته.
وعلى المستوى الاجتماعي ترى الكتابات الغربية في تحريم الإسلام زواج المسلمة من غير المسلم تقييداً لحق المرأة وإهدارًا لحقوق الإنسان وتمييزًا على أساس العقيدة وحرمانًا للمرأة من حرية اختيار شريكها، في حين تراه الرؤية الإسلامية حفاظًا على الشكل الإسلامي للأسرة وحماية لعقيدة الأطفال وصونًا للمرأة المسلمة من أن يكون صاحب القوامة عليها غير مسلم، وهكذا.
وقد أدى هذا الاختلاف إلى هجوم بعض الكتابات الغربية على الإسلام واتهامه بأنه هو العدو والتحدي الحقيقي لحقوق الإنسان بمفهومها “العلماني” و”العالمي”، فهذه الكتابات لم تدرك اختلاف المفاهيم الإسلامية عن غيرها، ومرجعيتها المتميزة نتيجة ارتباطها بالشرع، وبحث أصحابها عن مفهوم “حقوق الإنسان” بعناصره الغربية ولفظه اللغوي فلم يجدوه، وغفلوا عن خصوصية اللغة وخصوصية الرؤية الإسلامية للإنسان وحقوقه، فالإسلام قد بالغ في رعايته حقوق الإنسان إلى الحد الذي جعلها في نظره ضروريات، ومن ثَمَّ أدخلها في إطار الواجبات، فالمأكل والملبس والمسكن والأمن وحرية الفكر والاعتقاد والتعبير والمشاركة في صياغة النظام العام للمجتمع ومحاسبة أولي الأمر، كل هذه أمور نظر إليها الإسلام لا باعتبارها فقط حقوقًا للإنسان “يمكن” السعي للحصول عليها والمطالبة بها، بل هي ضرورات واجبة للإنسان، والمحافظة عليها هي محافظة على ضرورات وجوده التي هي مقاصد الشرع، فضلاً عن حفظ حاجيَّات هذا الوجود بوضع أحكام العلاقات الإنسانية في سائر المعاملات، وأخيرًا، حفظ تحسينيات الوجود الإنساني من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
إن منطلق حقوق الإنسان في الخطاب الغربي هو الحق الطبيعي المرتبط بذاتية الإنسان من الناحية الطبيعية - بغض النظر عن الفكر والمنهج - بينما الحق الشرعي للإنسان في الإسلام يستند إلى التكريم الإلهي ويرتبط بمفاهيم الأمانة والاستخلاف والعبودية لله وعمارة الأرض، ولا ينفصل عن حقوق الله لارتباطه بالشريعة التي تنظمه، وهو ما يجعله غير قابل للإسقاط بعقد أو صلح أو إبراء، فحقوق الإنسان الشرعية ليس من حق الفرد أو الجماعة التنازل عنها أو عن بعضها، وإنما هي ضرورات إنسانية توجب الشريعة الحفاظ عليها من قبل الدولة والجماعة والفرد، فإذا قصَّرت الدولة وجب على الأمة أفرادًا وجماعات تحملها؛ لذا كان مدخل “الواجب الشرعي” في الرؤية الإسلامية هو المدخل الأصح لفهم نظرة الإسلام للإنسان ومكانته وحقوقه، خاصة السياسي منها، تحقيقًا للمنهج الذي يربط بين الدراسة الاجتماعية السياسية والمفاهيم الشرعية من أجل بلورة رؤية إسلامية معاصرة.
يوليو 9th, 2008 at 9 يوليو 2008 3:29 م
زرقاء، لا غيمة واحدة فيها، سماء كأنها البحر·· البحر هادئ كزيت أزرق على شواطئ الصابلات وصلامندر·· جسر كأنه يؤدي إلى السماء الزرقاء، وتحته تعج أمواج من البشر في سوق شعبي عريق، وبين حافتي الجسر يمكنك أن ترى القباب البيضاء تتحدى الأيام·· قباب أولياء الله الصالحين الذين يتوزعون على مدينة مستغانم·· تغيب الألوان، كل الألوان إلا لونان·· الأبيض بياض القباب، والأزرق زرقة الشفق الأزرق من السماء وزرقة الماء كأنه شفق أزرق للبحر الذي كان يسمى بحر الروم، وأنت تعبر الجسر كأنها بصدد المرور إلى ما وراء الشفق الأزرق·
مزرغران حيث شاطئ الصابلات إلى الخلف، وإلى الأمام جسر يعبر إلى مدينة سيدي لخضر، وسيدي لخضر بن عبد الله بن خلوف الذي كان أميرا للمرابطين بمنطقة جبال الظهرة، جاء إلى مزغران مع والده قادما من قبيلة أزافرييا التي قضى بها طفولته الأولى·· مزغران الآن شواطئ زرقاء عليك أن تعبر بجانبها تحت شفق السماء الأزرق مقتفيا أثر سيدي لخضر الذي مازالت نخلته تحرسه بعد تلك القرون العديدة من رحيله عن عالمنا إلى ما وراء الشفق الأزرق، وما تزال النخلة الطالعة من الضريح تطلع وتطلع وتتلوى، ثم تستقيم كأنها تريد بلوغ السماء بحثا عن روح سيدي لخضر الذي ترقد رفاته عند جذورها الضاربة في التراب والضاربة في القرون من الزمان، وعند ذلك المكان الذي مازال يسمى بلدة ”سيدي لخضر”·· بحر الروم كأنه زيت أزرق، الروم·· الأرمادة الإسبانية الرومية تجثو على مياه بحر الروم والزمن هو 26 أوت ,1558 والأخضر بن خلوف يشارك في حرب الجيوش العثمانية ضد الأرمادة الإسبانية الرومية في مياه بحر الروم·· البحر الذي يسمى الآن بالأبيض المتوسط مع أنه أزرق تماما، وهي تسمية أكثـر إنصافا وحيادية، على أية حال لم يكن حياديا من ناحية الاسم، وكان الأخضر بن خلوف في زمنه ورغم محاربته للروم يسلم من ناحية التسمية أن البحر بحرهم، وكان يتأمل في البحر وإلى ما وراء مضيق جبل طارق من الناحية الغربية· وكان يفكر في المحيط الأطلسي الذي كان يسمى بحر الظلمات، كان يتأمل في ملكوت الله، زاهدا في هذه الدنيا، وكان يفكر في ما وراء الظلمات التي يغوص بها في بحر الظلمات، ويقول:
قدر ما في بحر الظلام
من هوايش وحيتان بلا قدر عايشين
مع الموجات بلا زمام
وعدد الرملة والأحجار اللي كاينين
الصلاة والسلام·
لالا مرياما والأولياء
تمر الأطياف عند عبور الجسر، تغيب الزرقة قيلا·· رزقة البحر، وتستمر السماء زرقاء لا لون آخر فيها، إلا لون أشعة الشمس الملتهبة كأنها تقول أشياء وهي تلون زرقة السماء·· مساحات خضراء، تحت سماء زرقاء وهضبات تنتهي بقباب لبعض الأولياء الذين يحيطون بمستغانم وضواحيها·· بلدة خير الدين تطل من بعيد، ووسط قباب الأولياء، ”قبة” من نوع خاص هي لـ ”لالا مارياما” التي يسمونها عند الضفة الأخرى من بحر الروم ”سانتا ماريا”·· هي قديسة وليست كالأولياء، تقام الوعدات وتوزع على قباب الأولياء الصالحين، حيث يحج إليها الناس من كل فج، وعندما ينتهون من طقوس الوعدة يذهب بعضهم إلى مقام لالا مرياما احتراما لها وتبركا بها، وبعضهم يطلب منها أن تلبي بعض الأمنيات الدنيوية البسيطة، تفريجا لكرب أو شكاية من هجر حبيب أو طلبا لوصل قد يكون مستحيلا لمعطيات واقعية، وتمتد أرض أسفلت كأنها بلا نهاية وسط الحقول الخضراء في هذا الفصل الحار، ومن هناك الطريق تشق بلدة عين بودينار، ثم أولاد علي وكان اللحن الصوفي يتصاعد شيئا فشيئا عند قول الولي سيدي لخضر:
صلى الله على صاحب المقام الرفيع
والسلام على الطاهر الحبيب الشفيع
قدر الداعي والمدعي ومن هو سميع
قدر الشاري في السوق ومن جاء يبيع
قدر الطايع للحق راه في أمره سميع
قدر ما قبضت اليد الكافلة بالجميع
قدر الحلفة والدوم والزرع والربيع
وعند البلدة تتفتح أزهار البنفسج، التي لا تعمر إلا سعات معدودات، لكنها مبتهجة بالحياة كأنها ستعيش أبدا، ولا تلتفت إلى الأزهار الأخرى التي تفتحت قبل يوم وماتت قبل ساعات·· أزهار البنفسج المستقبلة الموت فرحا تسكن الذاكرة والإسفلت يشق المدن الصغيرة والقرى ويصل عين تادلس، حيث يسكن الشيخ الجيلالي، المطرب البدوي الشهير وريث الشيخ حمادة ابن منطقة مستغانم، تختلط الألحان الصفية لفرق العيساوة المنبعثة من السي دي مع ألحان الشيخ الجيلالي عين تادلس بالقصبة والفلال المنبعثة من الذاكرة· ويذهب الخيال بعيدا حيث يجتمع سيدي لخضر بن خلوف مع الشيخ الجيلالي عين تادلس والشيخ حمادة، هناك بعيدا وراء الشفق الأزرق الناصع الزرقة التي تسمى سماوية وهناك ينتهي كل شيء إلا أن أرض الإسفلت لا تنتهي كأنها تعاندت الجغرافيا وهي تتلوى بحثا عن ضريح سيدي لخضر بن خلوف الذي يسكن عند ربوة لم ينسها التاريخ وبقي ذكره متجددا، تستمر طريق الإسفلت باحثة عن المقام، واللحن العيساوي يذكر الولي بودربالة، الذي يذكر في أغنية ”مرحبا يا رجال الله” للشابة الزهوانية، ويمتزج قول الزهوانية: ”بوعلام الغالي” القادم من الذاكرة مع قول المنشد العيساوي: ”سيدي عبد القادر، سلطان البر والبحر” وما بوعلام إلا عبد القادر الجيلالي المتصوف الكبير دفين بغداد صاحب الكرامات التي لا تعد، ثم يقول المنشد: ”صاحب الشفاعة، ابعث لهم السلام·· جنة الفردوس من تحت أقدامنا”·· لحظتها يكون طريق الإسفلت كأنه معلق وتحته جنات من الأشجار ليشق بلدة سيدي بلعطار·
نوفمبر 13th, 2008 at 13 نوفمبر 2008 9:26 ص
وجع
زاور لكتبه
تحير لقلم
على وجه اللوح
بلوان ملوك الجدبه
ها سيدي حمو
يجري فلعروق بلعمان
ها للا ميره
لي فيه الحال يبان
………
……….
………
نوفمبر 16th, 2008 at 16 نوفمبر 2008 3:37 م
عطار
ف دروب لقوافي
يطرز الدي
حصبه ..
..و عيوط
يصرف الكي
جدبه ..
..وفتوح الرحبه
ها راريت….
و شلى كلام احمر
ها زيما
و يبان السر
شموع تنور
هاراريت
و شلى زغاريت
تحيه زجليه للا خ ادريس ولد احمر